الرئيسية المقالات

حكم التلفظ بالنية ، بالدليل والتعليل والتفريع

حكم التلفظ بالنية ، بالدليل والتعليل والتفريع

تاريخ النشر: الثلاثاء, 01 ديسمبر 2015 - 21:31 مساءً | عدد المشاهدات: 543
تبليغ عن رابط معطوب

 

حكم التلفظ بالنية ، بالدليل والتعليل والتفريع


 

الحمد لله وبعد :ــ لقد تقرر عند أهل العلم ان التلفظ بالنية من البدع والمحدثات ، والدليل على ذلك عدة أمور :ــ الأول :ــ أن المتقرر عند عامة أهل العلم أن العبادة مبناها على التوقيف ، بحيث لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يقول :ــ هذا القول أو هذا الفعل من العبادات إلا وعلى هذه الدعوى دليل من الشرع ، فإن جاء به صحيحا صريحا وإلا فقوله مردود عليه مضروب به في وجهه، والذين يتلفظون بأنها من العبادات القولية ، فلا بد حينئذ في إثبات التعبد بها من دليل فالسؤال الآن :ــ أين الدليل الدال على جواز التعبد لله تعالى بالتلفظ بالنية ؟ فإنه لا دليل عليه لا من الكتاب ولا من السنة ولا من فعل الصحابة ولا من فعل السلف الصالح ، وهذا النفي مبني على الاستقراء الكامل لكلامهم في هذا الفرع ، وحيث لا دليل على جواز التعبد لله تعالى بها ، فلا يمكن أن نقول إنها من العبادات ، بل هي من المحدثات والبدع ، لأن العبادة مبناها على التوقيف ، وحيث لا توقيف فيها فهي بدعة ، لأن البدعة هي التعبد لله تعالى بلا دليل ، وهذا واضح لمن هداه الله تعالى وترك التعصب .
الثاني :ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " متفق على صحته من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، ولمسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " والتلفظ بالنية أمر لم يكن عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيكون من الأمور المردودة على فاعليها ، بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى ذلك فلا يكون التلفظ بالنية من العبادات المشروعة ، بل هو من المبتدعات الزائغة الممنوعة ، والله أعلم .
الثالث :ــ أن التلفظ بالنية من شر الأمور لأنه محدثة في الدين ، فكيف يكون التلفظ بها من العبادات وهي من شر الأمور، فإن قلت :ــ وكيف عرفت أنها من شر الأمور ؟ فأقول :ــ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وشر الأمور محدثاتها " وقد قررنا أن التلفظ بها ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام ولا هو من هدي سلف الأمة وأئمتها ، وحيث كان الأمر كذلك فالتلفظ بها من شر الأمور ، وما كان شرا فإنه يكون ممنوعا لا مشروعا .
الرابع :ــ أن المتقرر في القواعد أن الاشتراط الشرعي مبناه على الدليل ، أي أنه لا يصح لأحد أن يشترط في العبادة شرطا قوليا أو فعليا ، سواء كان من شرط الصحة أو من شروط الكمال إلا وعلى هذا الاشتراط دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة ، ومن ربط الانتفاع بالنية بالتلفظ بها فقد اشترط ما لا دليل عليه ، بحيث إنه يقول :ــ إن مجرد وجود النية في القلب لا يكفي ، بل يشترط التلفظ بها حتى يتحقق الانتفاع بها ، وهذا اشتراط في عبادة ، والأصل فيه التوقيف على الدليل ، فأين الدليل الدال على صحة هذا الاشتراط ؟ بالطبع ليس هناك من دليل ، وحيث لا دليل فالأصل فيه المنع ، وعليه فيكون انقداح النية في القلب كاف في تحققها، ومن زعم انه لا بد من التلفظ فنقول له :ــ " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"
الخامس :ــ أن إكساب العبادة صفة خاصة لا بد من دليل خاص يثبت هذه المشروعية ، أي مشروعية هذه الصفة على وجه الخصوص ، والمتقرر أن النية من العبادات، والمتلفظون بالنية يجعلون الصفة الشرعية للنية هي التلفظ بها ، والصفة الشرعية للعبادة لا بد فيها من الدليل ، فأين الدليل الدال على أن الصفة الشرعية للنية هو أن يتلفظ بها على هذا الوجه المخصوص ؟ هذا مما لا دليل عليه ، ونحن نقسم بالله تعالى أنه مما لا دليل عليه ، فحيث لا دليل يدل على مشروعية هذه الصفة الخاصة ، فلا يجوز حينئذ أن تنسب إلى الشرع ، أي أن التلفظ بالنية ليست من الشرع لأنها صفة محدثة لا دليل عليها ، وما لا دليل عليه فليس من الشرع ، وما ليس من الشرع فهو محدث ومنكر وبدعة .
السادس :ــ أن الله تعالى لم يقبض نبيه صلى الله عليه وسلم إلا وقد بين الشرع كله ، في عقائده وشرائعه ، وليس ثمة شيء من الشرع لا يزال لم يعرف ، فالله تعالى قد أكمل لنا الدين ببعثة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، فقد بلغنا البلاغ المبين ، وأتم الله به النعمة والدين ، فما لم يكن من الدين حينئذ فليس من الدين الآن ، فالتلفظ بالنية حقيقته إما أن يكون اتهاما للنبي صلى الله عليه وسلم بعدم إكمال بيان الشرع ، وهذا قدح في بلاغه صلى الله عليه وسلم ، وإما أن يكون اتهاما له بكتمه ، وهذه طامة أعظم من الأولى ، لأن التهمة الأولى فيها نسبة النبي صلى الله عليه وسلم للجهل ، والتهمة الثانية فيها اتهامه صلى الله عليه وسلم بالخيانة في البلاغ ، وأي زندقة أعظم منها ،وإما أن يكون قدحا في الشرع بأنه لم يكمل حتى جاءنا هذا ببدعته هذه ، وهذا كفر لأنه تكذيب للقرآن في إخبار بكمال الدين ، وإما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغها ، ولكن الصحابة قصروا في نقله أو كتموه، وهذا أمر لا يجوز أن ينسب إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإما أن يكون من الأمور المحدثة التي ليس عليها برهان من الشرع وإنما شيء استحسنه من فعله ، وتلقفه منه من لا علم عنده بقواعد الشرع ، وزينه الشيطان في قلبه ، وهذا هو الحق في هذا الفرع ، أنه شيء محدث لا دليل عليه ، وإنما هو استحسان بارد ليس عليه أثارة من علم ولا هدى وأن الحق اطراحه ، وإخراجه من كتب الفقه ، إن كان في شيء منها ، لأنها كتب هداية ، والتلفظ بالنية ليس من الهدى ـ بل هو من الضلال والبدع المحدثة المنكرة شرعا وعقلا وفطرة .
السابع:ــ أن التلفظ بالنية في العبادات لو كان من الخير لدلنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولسبقنا إليه من هم أحرص منا على الخير والهدى ، لكنه شيء لم يدلنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله من هم أحرص منا على الهدى والخير ، فكيف يزعم الزاعم أن التلفظ بها من الخير بعد ذلك ؟ هذا لا يكون أبدا ، فإنه صلى الله عليه وسلم ما ترك شيئا من الخير يعلم أنه خير لنا إلا دلنا عليه ، ولا شرا ، يعلم أنه شر لنا إلا حذرنا منه ، حتى تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، فمحال أن يكون التلفظ بالنية من الخير ويسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يبلغه لأمته ، ومن المسلم الذي تطيب نفسه أن يتصور شيئا كذلك أو ينقدح في ذهنه شيء من ذلك في نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ وبه تعلم :ــ أن التلفظ بها ليس من الخير ، وما لم يكن من الخير فليس بمشروع ن وما ليس بمشروع فلا يجوز التعبد لله تعالى به ، لأن التعبد لله تعالى بما ليس بمشروع بدعة ، فصح بذلك قولنا :ــ التلفظ بالنية من البدع .
الثامن :ــ أن كثيرا ممن يتلفظ بها يقع في بعض المخالفات من أجل مراعاة تحقيق التلفظ بها ، كرفع الصوت بها ، وإيذاء من حوله من المصلين ، وكالتأخر عن تكبيرة الإحرام عقيب الإمام مباشرة ، من أجل إتمام التلفظ بها ، وهذا في الصلاة ، بل إن بعضهم قد ينساها ويكبر للإحرام ، فيتذكرها ثم يقطع الصلاة ليقولها ويكبر مرة أخرى ، فانظر كيف يصنع الجهل بأهله ، فبما أن التلفظ بها تحتف به هذه المخالفات فلا يمكن أن يكون مشروعا ، لأن الشرع مبناه على تحقيق المصالح ودرء المفاسد ، لا العكس ، وهذا واضح .
التاسع :ــ أن التلفظ بها يفتح على العبد أبوابا من الوساوس في تحقيق التلفظ بها ، وهل قام به كما ينبغي أو لا ؟ وهل أصاب في قول جزئياتها أو لا ؟ وهل يكتفى بقولها مرة واحدة أو لا بد من التكرار تحقيقا لها ؟ وأنت تعلم أن باب الوساوس باب خطير له آثاره السيئة على القلب والتعبد ، والشريعة قطعت أسباب الوساوس من دابرها ، فلما كان التلفظ بالنية من جملة الأسباب التي ينفتح بها باب الوساوس ، فالمناسب في الشرع إغلاقه لا فتحه ، وهذا لا يتأتى مع القول بمشروعية التلفظ بها ، بل لا يكون إلا مع القول بأن التلفظ بها من المحدثات والبدع ، ولقد حدثني بعض من يتلفظ بالنية عن المعاناة الكبيرة في قولها وتحقيق التلفظ بها وتكرار ذلك ومحاسبة النفس عليه ، بما يقطع به العاقل أن التلفظ بها لا يمكن أن يكون مشروعا ، بل هو ممنوع محدث ، وأقسم بالله تعالى أيها الإخوان أنه بدعة محدثة ، وبلية منكرة لا أصل لها ، ولا برهان يعضدها ، وسف أوافيكم بالتفريع في مشاركة أخرى إن شاء الله تعالى .والله المستعان

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال حتى الآن. كن أول من يعلق الآن!

شارك بتعليقك

مواضيع ذات صلة

حكم التلفظ بالنية ، بالدليل والتعليل والتفريع

تاريخ النشر: الأربعاء 20 صفر 1437 هـ الموافق 2 ديسمبر 2015 مـ
  حكم التلفظ بالنية ، بالدليل والتعليل والتفريع   الحمد لله وبعد :ــ لقد تقرر عند أهل العلم ان التلفظ بالنية من البدع والمحدثات ، والدليل على ذلك عدة أمور :ــ الأول :ــ أن المتقرر عند عامة أهل العلم أن العبادة مبناها على التوقيف ، بحيث لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يقول :ــ ه ..

الفروع على قاعدة ( التلفظ بالنية بدعة )

تاريخ النشر: الأربعاء 20 صفر 1437 هـ الموافق 2 ديسمبر 2015 مـ
  الفروع على قاعدة ( التلفظ بالنية بدعة )   الحمد لله وبعد :ــ فهذه بعض الفروع على ما ذكرناه سابقا من التلفظ بالنبة بدعة :ــ منها :ــ أن قول الشافعي رحمه الله تعالى في الصلاة ( إنه لا يدخل فيها إلا بذكر ) لا يقصد به رحمه الله تعالى التلفظ بالنية كما فسره بذلك بعض أهل ..

حكم ضرب الكأس بالكأس قبل شرب الماء

تاريخ النشر: الأربعاء 20 صفر 1437 هـ الموافق 2 ديسمبر 2015 مـ
  حكم ضرب الكأس بالكأس قبل شرب الماء   الحمد لله وبعد :ــ ــ لقد سألني بالأمس سائل عن حكم ضرب الكؤوس بعضها ببعض قبل الشرب ، وهي ماء ، فقبل أن يشرب الماء يضرب كأسه في كأس الجالس بجواره ، فأجبت بأن هذا الفعل محرم ، لعدة وجوه :ــ الأول :ــ أن فيه مشابهة بفعل الكفار ، فإن هذا من ..

إنها النذر

تاريخ النشر: الثلاثاء 20 صفر 1437 هـ الموافق 1 ديسمبر 2015 مـ
  إنها النذر   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد:ــ لقد قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} ف ..

وكلمة الله هي العليا

تاريخ النشر: الثلاثاء 19 صفر 1437 هـ الموافق 1 ديسمبر 2015 مـ
  وكلمة الله هي العليا   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وبعد :ــ يقول الله تعالى في كتابه الكريم{وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى وكلمةُ الله هي العليا والله عزيز حكيم} إن الأمة الإسلامية في هذه الأزمنة تعيش من الهوان ..